فخر الدين الرازي

58

تفسير الرازي

والجواب : ثبت بالدليل أن كل الناس ليسوا ظالمين لأنه تعالى قال ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ) أي فمن العباد من هو ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ، ولو كان المقتصد والسابق ظالما لفسد ذلك التقسيم ، فعلمنا أن المقتصدين والسابقين ليسوا ظالمين ، فثبت بهذا الدليل أنه لا يجوز أن يقال كل الخلق ظالمون . وإذا ثبت هذا فنقول : الناس المذكورون في قوله ( ولو يؤاخذ الله الناس ) إما كل العصاة المستحقين للعقاب أو الذين تقدم ذكرهم من المشركين ومن الذين أثبتوا لله البنات . على هذا التقدير فيسقط الاستدلال . والله أعلم . ( المسألة الثانية ) من الناس من احتج بهذه الآية على أن الأصل في المضار الحرمة ، فقال : لو كان الضرر مشروعا لكان إما أن يكون مشروعا على وجه يكون جزاء على جرم صادر منهم أولا على هذا الوجه ، والقسمان باطلان ، فوجب أن لا يكون مشروعا أصلا . أما بيان فساد القسم الأول ، فلقوله تعالى : ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة . والاستدلال به من وجهين : الأول : أن كلمة لو وضعت الانتفاء الشئ لانتفاء غيره . فقوله : ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة . يقتضى أنع تعالى ما أخذهم بظلمهم وأنه ترك على ظهرها من دابة . والثاني : أنه لما دلت الآية على أن لازمة أخذ الله الناس بظلمهم هو أن لا يترك على ظهرها دابة ، ثم إنا نشاهد أنه تعالى ترك على ظهرها دواب كثيرين ، فوجب القطع بأنه تعالى لا يؤاخذ الناس بظلمهم ، فثبت بهذا أنه لا يجوز أن تكون المضار مشروعة على وجه تقع أجزية عن الجرائم . ( وأما القسم الثاني ) وهو أن يكون مشروعا ابتداء لا على وجه يقع أجزية عن جرم سابق ، فهذا باطل الاجماع ، فثبت أن مقتضى هذه الآية تحريم المضار مطلقا ، ويتأكد هذا أيضا بآيات أخرى كقوله تعالى ( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) وكقوله ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) وكقوله ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم السر ) وكقوله عليه السلام لا ضرر ولا ضرار في الاسلام وكقوله ملعون من ضر مسلما فثبت بمجموع هذه الآيات والاخبار أن الأصل في المضار الحرمة ، فنقول : إذا وقعت حادثة مشتملة على الضرر من كل الوجوه ، فان وجدنا نصا خاصا يدل على كونه مشروعا قضينا به تقديما للخاص على العام ، وإلا قضينا عليه بالحرمة بناء على هذا الأصل الذي قررناه . ومنهم من قال هذه القاعدة تدل على أن كل ما يريده الانسان وجب أن يكون مشروعا في حقه ، لان المنع منه ضرر ، والضرر غير مشروع بمقتضى هذا الأصل وكل ما يكرهه الانسان وجب أن يحرم لان وجوده ضرر والضرر غير مشروع ، فثبت أن هذا الأصل يتناول